الغزالي

362

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

ولا يحزنون ، وهم من ريب المنون آمنون ، فهم فيها يتنعمّون ويأكلون من أطعمتها ، ويشربون من أنهارها ، لبنا وخمرا وعسلا وماء غير آسن « 1 » ، أراضيها من فضة ، وحصباؤها مرجان ، وترابها مسك أذفر ، ونباتها زعفران ، ويمطرون من سحاب فيها من ماء النسرين على كثبان الكافور ، ويؤتون بأكواب أيّ أكواب من فضّة مرصّعة بالدرّ والياقوت والمرجان ، كوب فيه من الرحيق المختوم ، ممزوج به السلسبيل العذب ، وكوب يشرق نوره من صفاء جوهره ؛ يبدو الشراب من ورائه برقّته وحمرته ؛ لم يصنعه آدميّ فيقصرّ في تسوية صنعته وتحسين صناعته ، في كفّ خادم يحكي ضياء وجهه الشمس في إشراقها ، ولكن من أين للشمس مثل حلاوة صورته ، وحسن أصداغه ، وملاحة أحداقه ؟ . فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه صفتها ، ويوقن بأنه لا يموت أهلها ، ولا تحلّ الفجائع « 2 » بمن نزل بفنائها ، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها ، كيف يأنس بدار قد أذن اللّه في خرابها ؟ ويهنأ بعيش دونها ؟ واللّه لو لم يكن فيها إلّا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان ، لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها ، وألّا يؤثر عليها ما التصرّم والتنغّص من ضرورته ، كيف وأهلها ملوك آمنون ، وفي أنواع السرور ممتّعون ، لهم فيها كلّ ما يشتهون ، وهم في كلّ يوم بفناء العرش يحضرون ، وإلى وجه اللّه الكريم ينظرون ، وينالون بالنظر من اللّه ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون ، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يتردّدون ، ومن زوالها آمنون . قال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ينادي مناد : يا أهل الجنة ، آن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا « 3 » أبدا ، وآن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وآن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا ، وآن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا » . فذلك قوله عزّ وجل : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 4 » .

--> ( 1 ) آسن : متغير فلا يشرب . ( 2 ) الفجائع : جمع فجيعة وهي المصيبة . ( 3 ) لا تسقموا : أي لا تمرضوا . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 43 .